أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

70

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ومما رجحت به قراءة « ملك » ما حكاه الفارسي « 1 » عن ابن السراج « 2 » عن بعضهم أنه وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقوله : رَبِّ الْعالَمِينَ فلا فائدة في قراءة من قرأ : مالِكِ لأنها تكرار ، قال أبو علي : « ولا حجة فيه لأن في التنزيل مثله كثيرا يذكر العام ثم الخاص نحو : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ . وقال أبو حاتم « 3 » : مالِكِ أبلغ في مدح الخالق و « ملك » أبلغ في مدح المخلق والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان اللّه تعالى ملكا كان مالكا واختاره ابن العربي . ومنها : أنها أعم إذ تضاف للمملوك وغير المملوك بخلاف مالِكِ فإنه لا يضاف إلا للمملوك ، كما تقدم ولإشعاره بالكثرة ، ولأنه تمدح تعالى بمالك الملك بقوله تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [ آل عمران : 26 ] وملك مأخوذ منه كما تقدم ، ولم يتمدح بمالك الملك - بكسر الميم - الذي مالك مأخوذ منه . وقرئ ملك بسكون اللام « 4 » ومنه : 47 - وأيّام لنا غرّ طوال * عصينا الملك فيها أن ندينا « 5 » ومليك « 6 » ومنه : 48 - فاقنع بما قسم المليك فإنّما * قسم الخلائق بيننا علّامها « 7 » وملكي وتروى عن نافع : إذا عرف هذا فكون « ملك » نعتا للّه تعالى ظاهر فإنه معرفة بالإضافة ، وأما مالِكِ فإن أريد به معنى المضي فجعله نعتا واضح أيضا ، لأن إضافته محضة فيتعرف بها ، ويؤيد كونه ماضي المعنى قراءة من قرأ « 8 » : ملك يوم الدين فجعل « ملك » فعلا ماضيا ، وإن أريد به الحال أو الاستقبال فيشكل لأنه : إما أن يجعل نعتا للّه ، ولا يجوز

--> ( 1 ) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان الإمام أبو عليّ الفارسيّ واحد زمانه في علم العربية صاحب الحجة ، والتذكرة وغير ذلك ، توفي ببغداد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة . البغية ( 1 / 496 - 497 ) . ( 2 ) محمد بن السريّ البغدادي النحويّ أبو بكر بن السرّاج ، كان أحدث أصحاب المبرد سنا صاحب الأصول الكبير ، وحمل الأصول ، توفي في ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة . البغية ( 1 / 109 - 110 ) . ( 3 ) سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم أبو حاتم السجستانيّ صاحب إعراب القرآن وغير ذلك ، توفي سنة خمسين - أو خمس وخمسين ، أو أربع وخمسين ، أو ثمان وأربعين - ومائتين . وقد قارب التسعين . البغية ( 1 / 606 - 607 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 20 ) . ( 5 ) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم . انظر شرح المعلقات للتبريزي ( 392 ) ، وشرح المعلقات للزوزني ( 127 ) ، وشرحها للشنقيطي ( 99 ) ، يقول : نخبرك بوقائع لنا مشاهير كالغر من الخيل عصينا الملك فيها كراهية أن نطيعه ونتذلل له . والأيام : الوقائع هنا . والغر بمعنى المشاهير كالخيل الغر لإشتهارها بين الخيل . وقوله : « أن ندينا » أي كراهية أن ندين فحذف المضاف على رأي البصريين . وانظر البيت في القرطبي ( 1 / 98 ) . ( 6 ) نافع بن عبد الرحمن أحد القراء السبعة ، توفي سنة 169 ه . انظر غاية النهاية ( 2 / 330 ) . ( 7 ) البيت للبيد من معلقته . انظر ديوانه ( 320 ) ، شرح المعلقات للزوزني ( 130 ) ، وشرحها للشنقيطي ( 96 ) ، ويروى : « فإنما قسم المعايش » والمعنى : فاقتنع أيها العدو بما قسم اللّه تعالى فإن قسام المعايش والخلائق علامها ، يريد أن اللّه تعالى قسم لكل ما استحقه من كمال ونقص ورفعة وضعة والقسم مصدر قسم يقسم ، والقسم والقسمة اسمان وجمع القسم أقسام وجمع القسمة قسم . والملك والملك والمليك واحد وجمع الملك ملوك وجمع الملك أملاك . وانظر البيت من القرطبي ( 1 / 98 ) . ( 8 ) انظر مختصر الشواذ ( 1 ) .